الشيخ محمد رشيد رضا
608
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لهذه الروايات . فهذا قتادة من كبار علماء التابعين « 1 » يقول بان نوحا أول نبي مرسل . ويؤيد الرواية عنه مع ما تقدم ما ورد من التفسير المأثور في قوله تعالى ( 30 : 28 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) الآية - كحديث الصحيحين وغيرهما الناطق بان كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . وفي بعض رواياته يولد على فطرة الاسلام وفي بعضها على الملة ومنها حديث عياض ابن حماد المجاشعي المرفوع عند محمد بن إسحاق الذي ذكر فيه آدم فقال ( ص ) « ان اللّه خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لاحرام فيه فجعلوا ما أعطاهم اللّه حراما وحلالا » وفي معناه آثار . والمراد من ذلك في مسألتنا ان اللّه تعالى فطر آدم على معرفته وتوحيده وشكره وعبادته وزاده هدى بما كان يلهمه إياه من الأقوال والاعمال وبما يصل اليه اجتهاده كما قيل في عبادة النبي ( ص ) في الغار قبل البعثة ، وقد يزاد على ذلك ارشاد الملائكة له ولا ولادة فقد كانوا بطهارة فطرتهم يرون الملائكة كما ورد في تعليمهم إياهم تجهيز أبيهم ودفنه حين توفي ، ولسنا بصدد تمحيص أمثال هذه الروايات ، ولكن مجموعها يؤيد الحديث المصرح بنبوة آدم والا كان من الهداية والتعليم الإلهي ما هو أعلى من النبوة أو ما هو مساو لها فان كثيرا من الأنبياء لم يؤت من ذلك مثل ما أوتي آدم . والأنبياء أفضل البشر بالاجماع فبهذا التفصيل يعلم وجه ما اشتهر على ألسنة العلماء من القول بنبوة آدم ورسالته مع عدم وجود النص القاطع ، بل مع وجود النص المعارض ، فان هدايته لذريته من نوع هداية الرسل للمؤمنين من أتباعهم كما بيناه آنفا من معنى الآيات فيه ، ولذلك جعله الحافظ من قبيل الضروري ولكنه لم يبين وجه الضرورة ولم يهتد إلى الجمع بينه وبين المعارض له والذي يتجه في الجمع بغير تكلف هو التفرقة بين هداية من ولدوا
--> ( 1 ) قتادة من كبار أئمة التابعين في التفسير والحديث والفقه وقد قال الإمام أحمد فيه : قتادة أعلم بالتفسير وباختلاف العلماء ، ووصفه بالحفظ . والفقه وأطنب في ذكره وقال : قل من تجد أن يتقدمه . ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ترجمته من طبقات الحفاظ ، وذكر عنه أيضا انه كان لا يسمع شيئا الا حفظه . ومثله في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر وفيه انه كان ثقة مأمونا حجة في الحديث . وقال الحافظ الذهبي ما تأخر أحد عن الاحتجاج بحديثه . ولد سنة 61 وتوفي سنة 117 و 118